العلاقات الفرنسية – العثمانية في القرن التاسع عشر الميلادي
الملخص
تُمثّل العلاقات الفرنسية - العثمانية خلال القرن التاسع عشر الميلادي أنموذجاً حيّاً لتقاطع المصالح الدولية، وتداخل القوى الكبرى في محيطٍ إقليمي تتآكل فيه الإمبراطورية العثمانية تدريجياً، وتنهض فيه القوى الاستعمارية الأوروبية بقوة دفع صناعي وسياسي هائل. في هذا السياق، تأتي فرنسا كقوة استعمارية تسعى بجد لمد نفوذها إلى أراضي الدولة العثمانية، مستغلة حالة التدهور السياسي والعسكري التي كانت تعاني منها السلطنة، لتبني سياسة خارجية مزدوجة: صداقة وتحالف حيناً، وخصومة واعتداء حيناً آخر.
بدأت بوادر هذا التنافر الحاد مع الحملة الفرنسية على مصر والشام (1798-1801م) بقيادة نابليون بونابرت، التي لم تكن مجرد حملة عسكرية، بل مشروعاً استعمارياً متكاملاً استهدف تأسيس وجود فرنسي دائم في المشرق.
وفي الجانب الاقتصادي، أحكمت فرنسا نفوذها على الأسواق العثمانية من خلال الامتيازات التجارية والمعاهدات القديمة، مما جعل اقتصاد الدولة العثمانية مرتهناً إلى حدٍّ بعيد للبضائع الأوروبية، وعاجزاً عن المنافسة بسبب تأخره الصناعي واعتماده على الحرف التقليدية. فكانت الأسواق العثمانية تمتلئ بالمنتجات الفرنسية التي ساهمت في القضاء على الصناعات المحلية، لتتحول العلاقة إلى تبعية اقتصادية واضحة.
وهكذا، شكلت العلاقات الفرنسية - العثمانية أنموذجاً مركباً من التنافس والهيمنة والتعاون المؤقت، عززت فيه فرنسا موقعها كقوة استعمارية صاعدة، وجسدت فيه الدولة العثمانية ملامح الإمبراطوريات التقليدية أمام زحف الحداثة الأوروبية.