السياسة العقابية للمشرع السوري في العفو العام عن الجنح الواقعة على الأموال
الملخص
يمثل العفو العام إحدى أكثر الوسائل القانونية التي يمتلكها أهل السلطة لتحقيق سياسات معينة، قد تكون اجتماعية أو اقتصادية أو حتى سياسية تتعلق بضرورة تحقيق التأييد السياسي، أو زيادة القاعدة الشعبية المؤيدة، أو غير ذلك من السياسات الأخرى. ومهما كانت الغاية السياسية التي يسعى القائمون على سدة الحكم إلى تحقيقها من إصدار مثل هذه التشريعات، إلا أن تنظميها–من الناحية القانونية البحتة-ينبغي أن يكون وفقاً لسياسة عقابية واضحة المعالم، تتفق مع المبادئ التي يقوم عليها التشريع الجزائي الموضوعي، ولها أساس فلسفي ومنطقي ينعكس على أرض الواقع من خلال تطبيق مفاعيل مثل هذه التشريعات الجزائية. ولو أسقطنا مثل هذه المنطلقات على تشريعات العفو العام التي صدرت عن المشرع الجزائي السوري خلال الفترة المنصرمة، لوجدنا فيها الانحراف الكبير، فقد كانت بادئ الأمر ذات فلسفة واضحة المعالم، لها أسسها في النظرية العامة لقانون العقوبات، لكنها ما لبثت أن انحرفت عن هذا المنهج القويم الذي يفترض بالمشرع الجزائي أن يسير عليه بشكل مضطرد ومستقر، وأبرز الأمثلة على ذلك تعليق تطبيق مفاعيل العفو العام على الإسقاط الذي يقدم من قبل المضرور من الجريمة (المدعي الشخصي)، تحت مسوغات وتبريرات عدة قد يفرضها منطق الواقع العملي المعقد الذي تركه حزب البعث البائد،والذي لم يستنفد وسيلة إلا واستخدمها للتمسك بالسلطة، قبل أن يمن الله عز وجل على البلاد والعباد بالتحرير في نهاية العام الفائت.
سيتم العمل من خلال هذا البحث على إيضاح الأساس الفلسفي لدور المضرور من الجريمة في دعوى الحق العام المنظورة أمام القضاء الجزائي، ومن ثم عرض الخطوط العامة للظروف المعقدة التي كانت وما تزال تحيط بتطبيق النصوص المتعلقة بالتجريم والعقاب في ميدان الواقع العملي، لكي تتم الموازنة بين المراكز القانونية لكل من المدعي الشخصي (المضرور من الجريمة) وبين المدعى عليه، والسعي لإيجاد الحلول القانونية ذات المبادئ الفلسفية المنطقية التي تحقق مثل هذا التوازن من جهة، والتي تستمد من المبادئ العامة لقانون العقوبات من جهة أخرى.